يحلل علي أميدي في هذا المقال خلفيات الإصرار الإيراني على مواصلة تخصيب اليورانيوم، في وقت تتواصل فيه جولات التفاوض غير المباشر بين طهران وواشنطن بوساطة عُمانية في جنيف. نشر ميدل إيست مونيتور هذا المقال، مسلطًا الضوء على أسباب التعثر المتكرر في المحادثات النووية.
تتمسك الولايات المتحدة بشرط أساسي يتمثل في وقف إيران لأي قدرة على تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها، بينما ترفض طهران هذا الطرح رفضًا قاطعًا. يطالب المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف باتفاق بلا “بنود انقضاء”، أي التزام دائم يقيد السلوك الإيراني إلى أجل غير مسمى. ترى طهران في هذا الشرط تنازلًا دائمًا عن حق سيادي، وتعتبره خطًا أحمر.
إرث من الوعود غير المنفذة
تشكل تجربة إيران مع الغرب أحد أبرز دوافع تمسكها بالتخصيب. استثمرت طهران منذ سبعينيات القرن الماضي في مشاريع نووية أوروبية، منها مشروع “يوروديف” في فرنسا، دون أن تحصل على حصتها الفعلية من اليورانيوم المخصب رغم مساهماتها المالية الضخمة. وقعت كذلك عقدًا مع شركة سيمنز الألمانية لبناء مفاعلين في بوشهر، لكن الثورة الإسلامية أوقفت المشروع، واضطرت إيران لاحقًا إلى اللجوء إلى روسيا لاستكماله.
في عام 2008، رفضت الأرجنتين تزويد إيران بوقود مخصب بنسبة 20% لمفاعل طهران البحثي تحت ضغط أمريكي، ما أثار مخاوف من نقص الوقود ودفع إيران إلى تسريع تطوير بنيتها التحتية المحلية، بما في ذلك منشأة فوردو.
علّقت طهران تخصيب اليورانيوم خلال السنوات الأخيرة من رئاسة محمد خاتمي في إطار إجراءات لبناء الثقة، لكن العقوبات استمرت بل تصاعدت. عزز انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018 الشكوك الإيرانية في مصداقية الالتزامات الأمريكية، خاصة مع عجز الأوروبيين عن تعويض آثار العقوبات.
دروس كوريا الشمالية والشك العميق
تراقب إيران تجربة كوريا الشمالية بعين حذرة. أبرمت بيونج يانج اتفاقًا مع واشنطن عام 1994 يقضي بتجميد برنامجها النووي مقابل بناء مفاعلات وتقديم مساعدات، لكن إدارة جورج بوش لاحقًا تخلت عن التزاماتها، ما أدى إلى انسحاب كوريا الشمالية من معاهدة عدم الانتشار وتطويرها سلاحًا نوويًا.
تقارن طهران بين ذلك الانسحاب والانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، وترى أن الثقة في الضمانات الأمريكية قد تضعها في موقف ضعيف إذا تغيرت الإدارة في واشنطن. يرسخ هذا التصور قناعة بأن التخلي الكامل عن التخصيب قد يعرضها لمخاطر استراتيجية مستقبلية.
الكلفة السياسية والاعتبارات الثقافية
تفسر نظريات الاقتصاد السلوكي، مثل “تكلفة الغرق” و”الاعتماد على المسار”، استمرار إيران في برنامجها النووي. أنفقت طهران مليارات الدولارات واستثمرت رأس مال سياسيًا ضخمًا في هذا المشروع. قد يثير التراجع الكامل تساؤلات داخلية حول جدوى التضحيات الاقتصادية التي تحملها الشعب الإيراني لسنوات تحت العقوبات.
يرى أميدي أن الاعتبارات الرمزية والثقافية تلعب دورًا كذلك. يشكل الفخر الوطني عنصرًا مهمًا في الثقافة الاستراتيجية الإيرانية. تنظر طهران إلى مطلب “صفر تخصيب” بوصفه إهانة لسيادتها. لذلك، ينبغي لأي صيغة تفاوضية أن تراعي هذا البعد الرمزي حتى تنجح.
يشير الكاتب إلى أن السياسات القصوى الأمريكية أدت إلى نتائج عكسية. في عام 2003 امتلكت إيران 164 جهاز طرد مركزي ولم تملك مخزونًا من اليورانيوم منخفض التخصيب. أما بحلول مايو 2025، فقد امتلكت أكثر من 20 ألف جهاز متطور، ومخزونًا تجاوز 9 آلاف كيلوجرام من اليورانيوم المخصب، بينها أكثر من 400 كيلوجرام بنسبة 60%، وفق تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
يرى أميدي أن قصف إيران قد يدفعها نحو تسريع السعي لامتلاك سلاح نووي بدل ردعها. يقترح بديلًا يقوم على السماح بتخصيب منخفض لأغراض مدنية تحت رقابة صارمة من الوكالة الدولية، مقابل رفع فوري للعقوبات. يختتم الكاتب بالقول إن حلًا توافقيًا يضمن حق إيران في التخصيب السلمي مع رقابة دولية مشددة يمثل المسار الواقعي الوحيد لتفادي مأزق تفاوضي قد يقود إلى مواجهة مدمرة.
https://www.middleeastmonitor.com/20260226-why-does-iran-persist-on-nuclear-enrichment/

